صديق الحسيني القنوجي البخاري
333
فتح البيان في مقاصد القرآن
والثالث : أن يكون منصوبا على الحال أي مكتوبا في اللوح لتعرفه الملائكة ، وقيل أراد ما كتبته الحفظة على العباد من أعمالهم ، وقيل المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد من النسيان ، والأول أولى لقوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [ يس : 12 ] . فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً هذه الجملة مسببة عن كفرهم وتكذيبهم بالآيات ، والأمر أمر إهانة وتحقير ، قال الرازي هذه الفاء للجزاء فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم اللّه جلودا غيرها وكلما خبت النار زادهم اللّه سعيرا ، قيل هذه أشد آية في القرآن على أهل النار كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه . قال الرازي وفي هذه الآية مبالغات منها التأكيد بلن ، ومنها الالتفات ، ومنها إعادة قوله فذوقوا بعد ذكر العذاب . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 31 إلى 40 ] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) حَدائِقَ وَأَعْناباً ( 32 ) وَكَواعِبَ أَتْراباً ( 33 ) وَكَأْساً دِهاقاً ( 34 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 ) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ( 36 ) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 ) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ( 39 ) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ( 40 ) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً هذا شروع في بيان حال المؤمنين وما أعد اللّه لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين وما أعد اللّه لهم من الشر ، والمفاز مصدر بمعنى الفوز والظفر بالبغية والمطلوب والنجاة من النار ، ومه قيل للفلاة مفازة تفاؤلا بالخلاص منها ، ويصلح أن يراد به الجنة على أنه مصدر ميمي بمعنى المكان أو بمعنى الحدث ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعا ، لأنهم فازوا بمعنى نجوا من العذاب ، وفازوا بما حصل لهم من النعيم ، وفي المختار الفوز النجاة ، وهو الهلاك أيضا ، وعلى هذا فإطلاق المفازة على الفلاة الخالية من الماء حقيقي لأنها مهلكة ، ومن معاني الفوز الهلاك كما رأيت وبابهما قال : ثم فسر سبحانه هذا المفاز فقال : حَدائِقَ وَأَعْناباً وانتصابهما على أنهما بدل اشتمال من مَفازاً أو بدل كل من كل على طرق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازا ، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني وإذا كان مفازا بمعنى الفوز فيقدر مضاف أي فوز حدائق ، وهي جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه فيه أنواع الشجر المثمر ، والأعناب جمع عنب أي كروم أعناب ، والتكرير يدل على تعظيم ذلك العنب . قال المحلي وَأَعْناباً عطف على مفاز أي ذكرت بعد الحدائق تنويها لعظم